الإيمان والعقل-لنيافة الانبا سرابيون

جدد انتشار وباء فيروس كورونا الحوار حول موضوع هام وهو علاقة الإيمان بالعقل البشري ومنجزاته وخاصة أنه للوقاية من الإصابة بهذا الوباء تم وضع العديد من الإجراءات الاحترازية التي أثرت على الحياة الكنسية في مجالات متعددة.

     ١-أن نتعلم من ربنا الرب يسوع المسيح لأنه المثال الأعظم الذي علينا أن نتبع خطواته. في معجزة إشباع الجموع من الخمس خبزات والسمكتين قال التلاميذ للسيد المسيح “أصرف الجمع ليذهبوا إلى القري والضياع حوالينا فيبيتوا ويجدوا طعاماً لأننا ههنا في موضع خلاء” لو٩: ١٢ فقال لهم الرب يسوع “أعطوهم أنتم ليأكلوا” لو٩: ١٣. لماذا قال لهم الرب أعطوهم أنتم ليأكلوا، هل لعدم قدرته على اطعامهم؟ حاشا! القديس يوحنا يكشف لنا السبب. فقال لفيلبس “من أين نبتاع خبزاً ليأكل هؤلاء؟ وانما قال هذا ليمتحنه لأنه علم ما هو مزمع أن يفعل يو٦: ٥- ٦. السيد المسيح رغم قدرته الإلهية أراد أن يشجع التلاميذ أن يفكروا ويستخدموا عقولهم لإيجاد حل. حاول التلاميذ ولكن لم يستطيعوا أن يصلوا لحل فالموضع خلاء والجمع كبير جداً ولا يكفيهم خبز بمئتي دينار ليأخذ كل واحد منهم شيئاً يسيراً وحتى عندما وجدوا الخمسة أرغفة شعير والسمكتان قال أندراوس “ولكن ما هذا لمثل هؤلاء” يو٦: ٩ رغم عجز العقل البشري لإيجاد حل لمحدوديته فلم يرفض السيد المسيح نتائجه فأخذ نفس الخمس خبزات والسمكتين وباركهم وأستخدم نفس التلاميذ الذين عجزوا في تنظيم الجموع في مجموعات وأيضاً في توزيع الطعام ثم في جمع الكسر وكلها أمور تحتاج للعقل البشري. على جناح الهيكل قال الشيطان للسيد المسيح “إن كنت أبن الله فأطرح نفسك من هنا إلي أسفل لأنه مكتوب أنه يوصي ملائكته بك لكي يحفظوك وأنهم علي أياديهم يحملونك لكي لا تصدم بحجر رجلك” لو٤: ٩- ١٠. رغم أن المسيح هو أبن الله حقاً والآية المذكورة صحيحة ولا شك منها إلا أن المسيح رفض طلب الشيطان وقال له “أنه قيل لا تجرب الرب إلهك” لو٤: ١٢ فلماذا يفعل شيء ضد العقل البشري ودون حاجة له؟ فالسيد المسيح كان يصعد الجبل وينزل منه وكان يركب السفينة ويسير على قدميه رغم عدم حاجته لذلك لقدرته الإلهية ولكنه يعلمنا احترام قوانين الطبيعة لأنه خالق قوانين الطبيعة.

لمناقشة أي موضوع لاهوتي مثل هذا الموضوع نحتاج لأمرين:

     ٢-أن نتعلم من آباءنا اللاهوتيين مثل القديس أثناسيوس والقديس كيرلس أنه في مناقشة موضوع لاهوتي نرجع إلى كيفية خلق الله الانسان والخليقة لندرك حكمة الله. الله خلق الانسان كائناً عاقلاً ووهبه نعمة العقل لكي يستخدمه فأعطاه أن يخضع الأرض ويتسلط علي سمك البحر وطير السماء وعلى كل حيوان يدب علي وجه كل الأرض (تك١: ٢٨) ولكنه لم يقل له كيف بل تركه يستخدم عقله. كذلك وضعه في جنة عدن ليعملها ويحفظها (تك٢: ١٥) ولم يقل له كيف يفعل ذلك بل وهبه نعمة العقل. كما وهب الله الانسان نعمة العقل وهبه أيضاً حرية الإرادة لذلك أعطاه وصية. الكائنات غير العاقلة تأكل وتتكاثر بالغريزة أما الانسان العاقل فعقله يتحكم في غرائزه لذلك أعطي الله الانسان الوصايا لتقود عقله في الطريق الصحيح.

الله وهب الانسان العقل ليستخدمه واستخدام العقل لا يتعارض مع الإيمان ولكن عقل الانسان محدود وعقل الانسان قد يقوده إلى الشرور. لذا يحتاج الانسان للإيمان ليهب عقله قدرات غير محدودة وليقود عقله في طريق الخير ويبعده عن الشر. كما يهب الإيمان العقل إستنارة في تطبيق منجزاته بطريقة صحيحة خاصةً في الأمور الكنسية التي لها طبيعة خدمية تختلف عن أمور العالم.

الأنبا سرابيون